السيد محمد حسين الطهراني

15

رسالة بديعة في تفسير آية الرجال قوامون على النساء

غريزَتُه . فالإفراط تحكُّمٌ وتكليفٌ وراءَ التَّحمُّل ، وتحميلٌ لما فوق القدرة والطَّاقة . ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها ) « 1 » ؛ بل ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) « 2 » . كما أنَّ التَّفريط ظلمٌ وموجبٌ للمحروميَّةِ والتَّعطيل ؛ ( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) « 3 » . وحيث إنَّ الخلق ومنه الإنسان لم يُخلق على وَتيرةٍ واحدةٍ ونهجٍ واحدٍ ، بل يوجد في نوعه القويّ والضَّعيفُ من جهة البُنيةِ البشريَّة والقوَّة المادِّيَّة ، ومن جهة الصِّفات الروحيَّة والغرائِز الخُلقيَّة والتَّفكير والإحساس والعواطف ؛ فهو معجونٌ من موادّ مختلفة وصفات كثيرة ، عَجَنَه ربُّه وركَّبه مُدَبِّره على مدارجِ الاستعداد ومراتب الاستحقاق . أعطى الإنسانَ ومنه الذَّكرُ والأنثى على مقدار ما أودع جلَّ وعزَّ في وجوده من القابليَّة ، وكلَّف الذَّكر والأنثى كُلًّا على حسبِ ظرفه وسَعةِ محلِّه ، وإلَّا لانقلب العدلُ ظلماً ؛ وحاشاه أن يكون ظالماً . فما يُرى من منع النِّساءِ عن جهات من الأمور كالقَضاءِ ، والحكومة ، والجِهاد ، والبُروز في أندية الرِّجال ، وكشفِ الحجاب ، والجمعة ، والجماعة ، وشهادة الجنائز ، والحضور عند القبور مع الجنازة ، ورفعِ المشاقِّ عنها ، ليس فيها جهةُ سلبِ حقٍّ عنهنَّ ، بل إعطاءُ حقٍّ لهنَّ بالنَّحو الأتمِّ الأكمل . وذلك لأنَّه تبارك وتعالى لمَّا فطرهنَّ من أنواع الغرائِز وشَكِّلهنِّ بشاكِلَةٍ خاصَّةٍ راعي بالنِّسبة إليهنَّ ما هو صالح الأمر في حقِّهنَّ ، وهو الكفُّ عن الجِهاد والقضاءِ والحكومة وما يضاهيها . وهذا الكفُّ إنَّما هو حقٌّ إلهيّ أعطاهنَّ العليم الخبير ، لا أنَّ حقَّهنَّ الأوَّليّ هو الجِهادُ وأمثالُه ، واللهُ مَنَعَهنَّ عنه وعن أشباهِه .

--> ( 1 ) الآية 7 من سورة 65 : الطلاق . ( 2 ) الآية 286 من سورة 2 : البقرة . ( 3 ) الآية 49 من سورة 18 : الكهف .